القرطبي
268
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قدومه فأذن له ، وأمر الملا من أصحابه بالركوب معه ، فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خلق الله أعلم بهم ، وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب ، فكان يعقوب يمشي متكئا على يد يهوذا ، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال : يا يهوذا ! هذا فرعون مصر ؟ قال : لا ، بل هذا ابنك يوسف ، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع ( 1 ) من ذلك ، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل ، فابتدأ يعقوب بالسلام فقال : السلام عليك يا مذهب الأحزان ، وبكى وبكى معه يوسف ، فبكى يعقوب فرحا ، وبكى يوسف لما رأى بأبيه من الحزن ، قال ابن عباس : فالبكاء أربعة ، بكاء من الخوف ، وبكاء من الجزع ، وبكاء من الفرح ، وبكاء رياء . ثم قال يعقوب : الحمد لله الذي أقر عيني بعد الهموم والأحزان ، ودخل مصر في اثنين وثمانين من أهل بيته ، فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف ، وقطعوا البحر مع موسى عليه السلام ، رواه عكرمة عن ابن عباس . وحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة [ ألف ] ( 2 ) وسبعون ألفا . وقال الربيع بن خيثم : دخلوها وهم اثنان وسبعون ألفا ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف . وقال وهب : [ بن منبه ] ( 2 ) دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة وصغير ، وخرجوا منها مع موسى فرارا من فرعون ، وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجل مقاتلين ، سوى الذرية والهرمى والزمني ، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة ، وقال أهل التواريخ : أقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة ، ومات بمصر ، وأوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل ، ثم انصرف إلى مصر . قال سعيد بن جبير : نقل يعقوب صلى الله عليه وسلم في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ، ووافق ذلك يوم مات عيصو ، فدفنا في قبر واحد ، فمن ثم تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس ، من فعل ذلك منهم ، وولد يعقوب وعيصو في بطن واحد ، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعا ( 3 ) وأربعين سنة .
--> ( 1 ) أي منعه يعقوب عليه السلام لأن القادم يسلم ، قاله العيني في " عقد الجمان " . وقال الآلوسي : ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه . ( 2 ) من ع . ( 3 ) في ع وك ى : تسعا . والمشهور ما ذكر .